الشيخ الأنصاري

345

مطارح الأنظار ( ط . ج )

بالثواب أمرا غير المدح والقرب فربّما كان له وجه ؛ نظرا إلى أنّ العقل لا يستقلّ بإثباته في جميع موارده ، وثبوته في بعض الموارد شرعا - كالسير إلى الجهاد ونحوه - لا يثبت الكلّيّة ، وقوله تعالى : لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ « 1 » لا دلالة له على تعيين أثر غيرهما . وإن أرادوا الأعمّ فترتّب الأوّل - أعني المدح - ممّا لا ريب فيه ، بشهادة العقل والعادة . ثمّ استشهد لذلك بحسن تعليل المدح بالفعل . ثمّ قال : وكذا الأمر الثاني أعني القرب ، واستند في ذلك إلى صدق الإطاعة والانقياد المستلزمين للقرب « 2 » . ووجه النظر هو : أنّه ما أجاد في حكمه بعدم استقلال العقل على ترتّب الثواب بمعنى الأجر ، إذ التحقيق على ما عرفته هو استقلاله بعدمه ؛ على أنّ الترديد في الثواب في غير محلّه ، فإنّ المراد به - على ما هو صريح المتكلّمين « 3 » - هو العوض ، فيكون اجرة . مضافا إلى أنّ نفي ظهور الآية في الأجر على تقدير عدم استقلال العقل خلاف الإنصاف ، كما ارتكبه ، فإنّ ظهورها ممّا لا ينكر . بل التحقيق في ردّها هو : ما عرفت من لزوم تأويلها بعد مخالفتها لصريح العقل . مع أنّ الوجه في ترتّب المدح هو ما عرفته من ملاحظة العقلاء في ذاته سريرة طيّبة ، وذلك ظاهر بعد ما عرفته . ومن هنا ينقدح لك : أنّ القول بأنّ « فعل المقدّمة يوجب الثواب وتركها لا يورث العقاب » قول باستحباب المقدّمة ، إذ لا يعقل أن يكون الفعل موجبا لاستحقاق الثواب وتركه لا يوجب عقابا مع كونه واجبا ، فهو إمّا قول بالاستحباب وهو باطل ، إذ لا قاضي به ، فإنّ الطلب الاستحبابي لا يستفاد من

--> ( 1 ) آل عمران : 195 . ( 2 ) الفصول : 87 . ( 3 ) راجع شرح تجريد العقائد ( للقوشجي ) : 350 ، وكشف المراد : 319 - 320 .